رهائن الساحل بين فدية محتملة ونفوذ ليبي متصاعد

أعاد تحرير الرهينتين الأوربيتين؛ النمساوية ايفا اغريتز ماخر والسويسرية كلوديا ماريا أبت تسليط الأضواء مجدد على الدور الليبي في تحرير الرهائن الغربيين؛ إذ جاءت العملية بعد أقل من شهر على تحرير رهينة أمريكي في ظروف اكتنفها غموض لم ينقشع بعد.
هل أصبحت ليبيا قناة التحرير الرئيسية للمختطفين في الساحل، وهل تتم عمليات التحرير مقابل فدى أم أنه النفوذ، وربما قوة الحضور الميداني في الفضاء الذي قوى الأواصر بليبيا برغم كل التحولات.
زووم الصحراء يتتبع خيوط تحرير الرهينتين الأوربيتين ويبحث لأسئلة قناة التحرير وسبله عن أجوبة وفق المتاح من المعطيات والمرجح من التقديرات.
من هما الرهينتان
إيفا غريتزماخر نمساوية من مواليد 1951، عاشت في أغاديز نحو ثلاثة عقود وأسست جمعية “Amanay”، التي عملت في التعليم والصحة وتمكين النساء والثقافة والحرف المحلية. واختطفت مساء 11 يناير 2025 من منزلها في المدينة.
أما كلوديا ماريا أبت، فهي سويسرية مولودة في بيروت ومتزوجة من نيجري، وعاشت سنوات طويلة في أغاديز وعملت في دعم الحرف المحلية عبر مبادرة “Tellit”. واختطفت مساء 13 أبريل 2025 من منزلها بحي داغامانيت 2.
وأظهرت معلومات ميدانية وأدلة حياة ظهرت لاحقا أن السيدتين أصبحتا لدى تنظيم الدولة في الساحل، بعد نقلهما من النيجر إلى المجال الحدودي المالي-النيجري.
وتشير الرواية الراجحة إلى أن مجموعات محلية تولت عملية الخطف في البداية قبل تسليم الرهينتين إلى التنظيم، الذي نقلهما إلى المنطقة الممتدة بين غاو وميناكا وأدرمبوكان.
مفاوضات متعددة
عملت الدبلوماسيتان النمساوية والسويسرية طوال فترة الاحتجاز عبر قنوات متعددة، بالتنسيق مع السلطات النيجرية ووسطاء إقليميين.
وفي الجانب النمساوي، شارك الدبلوماسي بيتر لاونسكي-تيفينتال في جهود الإفراج، فيما تحول نجل غريتزماخر، كريستوف، إلى الواجهة الإعلامية للعائلة وبحث عن قنوات بديلة بعد طول فترة الاحتجاز.
كما طرحت خلال مراحل مختلفة إمكانية الاستعانة بوسطاء إقليميين، لكن لا توجد معلومات موثقة تثبت أن هذه القنوات هي التي أنهت الملف.
ومع تعثر المسار لأشهر، ظهرت مؤشرات على مفاوضات مالية مع الخاطفين، وتحدثت مصادر غير رسمية عن خفض مطالبهم بعد تدهور صحة غريتزماخر، دون وجود رقم موثوق أو تأكيد رسمي بدفع فدية.
الإفراج والمسار الليبي
مساء 10 سبتمبر، بدأت مصادر متخصصة في الساحل تتحدث عن خروج السيدتين من قبضة الخاطفين. وفي اليوم التالي أكد نجل غريتزماخر أن والدته “لم تعد لدى خاطفيها”، فيما ظهر تسجيل مصور قصير لكلوديا أبت قالت فيه إنها بخير وإنها رأت غريتزماخر وهي بخير أيضا.
وتجمع مصادر ميدانية على أن السيدتين نقلتا بعد الإفراج باتجاه ليبيا، مع حديث عن نقلهما بمروحية إلى سبها، قبل مواصلة الرحلة جوا باتجاه بنغازي.
وتعزز هذه الرواية فرضية تدخل سلطات شرق ليبيا، وخصوصا صدام حفتر، لكن لم يصدر حتى الآن بيان رسمي يثبت أنه قاد الوساطة أو يكشف طبيعة الصفقة.
وكان صدام حفتر قد لعب دورا رئيسيا في الإفراج عن الأمريكي كيفن رايدوت، الذي كان محتجزا لدى تنظيم الدولة في الساحل، وكشفت رويترز حينها أن العملية تمت عبر مفاوضات شارك فيها وسطاء محليون، بينما تحدث مصدر عن دفع فدية.
وبعد نجاح تلك العملية، وجه نجل غريتزماخر نداء إلى صدام حفتر للتدخل لإنقاذ والدته، وهو ما يضيف قرينة أخرى إلى فرضية استخدام القناة نفسها في الملف الحالي.
قناة جديدة في الساحل؟
إذا تأكد الدور المباشر لشرق ليبيا، فإن العملية ستعزز مؤشرات تشكل قناة ليبية لإدارة ملفات الرهائن في الساحل، تعتمد على شبكات محلية قادرة على الوصول إلى الجماعات المسلحة، ثم استخدام جنوب ليبيا ممرا لإخراج الرهائن.
وستكون حالة غريتزماخر وأبت امتداداً لسابقة رايدوت، في وقت تتزايد فيه أدوار وسطاء إقليميين غير تقليديين في ملفات الساحل، مستفيدين من تراجع قدرة العواصم الغربية على التحرك المباشر داخل مناطق نفوذ الجماعات المسلحة.
لماذا ليبيا قناة التحرير
اختيار ليبيا وبالذات حكومة الشرق الليبي لتكون قناة التحرير الرئيسية للرهائن الأوربيين يعود لعوامل يتداخل فيها الجغرافي بالديمغرافي بالأمني بالجيوسياسي:
– فليبيا كما هو معروف لها حدود مع النيجر وهي تاريخيا ممر للقوافل التجارية منذ القدم.
– وديموغرافيا التداخل كبير بين ساكنة الجنوب الليبي وسكان الفضاء الساحلي، فالطوارق والقبائل العربية والتبو تتحرك بحرية بين دول لا تعترف بحدودها، وهي ذات خبرة كبيرة في المسالك الوعرة.
– عامل ثالث لايقل أهمية؛ وهو تاريخ استضافة ليبيا لجماعات التمرد في مالي والنيجر، وهو ما يعطي لحفتر الذي ظل لفترة طويلة ركنا من أركان نظام القذافي؛ قدرة خاصة على الوصول لأصحاب القرار في الجماعات المسلحة.
كوماندوز أم فدية؟
لا معلومات نهائية حتى الآن عن كيفية تحرير الرهينتين الأوربيتين لكن مصادر مقربة من حفتر كانت قد سوقت رواية تفيد أن كوماندوز ليبي قام بعملية تحرير الرهينة الأمريكي، لكن هذه الرواية كانت محل تشكيك واسع من خبراء في منطقة الساحل؛ مرجحين فرضية تقديم فدى عن طريق وسطاء تم تداول اسم التاجر الشهير في صفقات الإفراج عن الرهائن في الفضاء الساحلي اشريف الطاهر وسيطا فيه؛ وهذا السيناريو بالضبط هو مانرى في مركز الصحراء للدراسات والاستشارات أرجحيته.