ميسي والأرجنتين من وجع الانتظار إلى مجد العالم ومرارة الاعتزال

البداية… حين نستعيد شريط السنوات ونعود إلى البدايات ندرك أن حكاية ليونيل ميسي مع الأرجنتين لم تكن مجرد مسيرة لاعب داخل الملعب بل كانت رحلة طويلة عاش فيها الحلم والألم والانتظار معا.
سنوات ارتدى خلالها قميص بلاده وحمل فوق كتفيه أحلام الملايين الذين رأوا فيه امتدادا لجيل عظيم من نجوم الكرة الأرجنتينية وانتظروا منه أن يعيد إلى المنتخب مجده الغائب.
كان الطريق شاقا وطويلا وكانت كل خسارة تترك جرحا جديدا في قلب ميسي وفي قلوب الأرجنتينيين.
ومع كل بطولة كان السؤال نفسه يعود من جديد هل يستطيع ميسي أن يمنح الأرجنتين ما منحها إياه مارادونا؟
كانت المقارنة مع مارادونا حاضرة في كل خطوة تقريبا.
لم يكن ميسي مطالبا بأن يكون أفضل لاعب في العالم فقط بل كان مطالبا أيضا بأن يثبت أنه قادر على حمل إرث قميص الأرجنتين وتحقيق ما عجز عن تحقيقه في السنوات الأولى من مسيرته مع المنتخب.
ومع ذلك لم يستسلم.
كان ميسي يعود في كل مرة أكثر إصرارا على مواصلة الطريق. لم يسمح للهزائم أن تكون نهايته ولم يقبل أن تتحول خساراته مع المنتخب إلى عنوان لمسيرته. كان يؤمن بأن الاستمرار هو الطريق الوحيد للوصول وأن الحلم مهما تأخر لا يصبح مستحيلا.
مرت السنوات وتقدم العمر وبقيت الكأس الغائبة حاضرة في الذاكرة بدا أحيانا أن الزمن يسبق الحلم وأن الفرصة تضيق أكثر فأكثر لكن ميسي واصل المحاولة حتى جاءت اللحظة التي غيرت كل شيء.
قطر.
في كأس العالم 2022 وصل ميسي إلى الموعد الذي انتظره طويلا.
لم يعد بحاجة إلى الدفاع عن نفسه أو الرد على المقارنات أو البحث عن إجابة للأسئلة القديمة. كانت الأقدام تتحدث داخل الملعب وكانت النتائج تكتب القصة نيابة عنه.
وحين رفع كأس العالم تغيرت الحكاية بأكملها
انقلبت سنوات الألم إلى فرح وتبدلت نظرة الملايين إلى مسيرته مع المنتخب.
لم تعد خسارات الماضي هي التي تحدد صورته بل أصبحت جزءا من الطريق الذي قاده إلى المجد.
في قطر لم يفز ميسي بكأس العالم فقط بل أغلق واحدة من أكثر الصفحات إثارة للجدل في تاريخ كرة القدم الأرجنتينية.
كان ذلك الانتصار لحظة استثنائية للأرجنتينيين ولجيل كامل عاش سنوات من الانتظار.
الرجل الذي ظل يسمع أنه لن يصل إلى مكانة مارادونا وصل أخيرا إلى القمة بطريقته الخاصة وترك اسمه إلى جانب أعظم من ارتدى قميص الأرجنتين.
لكن الزمن لا يتوقف حتى أمام الأساطير.
بعد تحقيق الحلم الأكبر بدأت مرحلة أخرى أكثر قسوة. لم يعد السؤال هل سيفوز ميسي بكأس العالم بل أصبح السؤال متى سيقول كلمته الأخيرة؟
فالاعتزال بالنسبة إلى لاعب بحجم ميسي ليس مجرد قرار رياضي ولا مجرد نهاية لمباريات وقميص سيخلعه للمرة الأخيرة. إنه نهاية حقبة كاملة عاشها الملايين معه لحظة بلحظة.
حقبة بدأت بالأمل ومرت بالانكسار ثم وصلت أخيرا إلى المجد.
ولهذا فإن وداع ميسي يختلف عن وداع أي لاعب آخر.
فالأرجنتينيون لا يودعون نجما فحسب بل يودعون جزءا من ذاكرتهم الكروية. يودعون اللاعب الذي عايشوه في لحظات الخسارة كما عايشوه في لحظة رفع كأس العالم.
لقد استطاع ميسي أن يمحو بكأس العالم كثيرا من مرارة السنوات السابقة لكنه ترك وراءه شيئا آخر لا يمكن محوه وهو أثر رجل جعل ملايين الأرجنتينيين يؤمنون بأن الحلم قد يتأخر لكنه لا يموت.
واليوم بعد أن أسدل ميسي الستار على مسيرته مع الأرجنتين تبدو الحكاية أكثر اكتمالا من أي وقت مضى.
بدأها طفلا يحمل أحلاما أكبر من عمره وعاش خلالها أقسى لحظات الانكسار ثم عاد ليكتب النهاية التي انتظرها طويلا.
رحل ميسي عن المنتخب لكن حكايته لم ترحل.
ستبقى في ذاكرة الأرجنتين قصة لاعب حمل قميص بلاده سنوات طويلة وحمل معه أحلام شعب كامل وخسر كثيرا قبل أن ينتصر أخيرا.
وستبقى قطر شاهدة على اللحظة التي تحول فيها الحلم إلى حقيقة والانتظار إلى مجد والدموع إلى فرحة لا تنسى.
تقرير / سيدي عالي