قضية جمال خاشقجي من جريمة داخل القنصلية إلى ملف قضائي لم يغلق بعد


في الثاني من أكتوبر عام 2018 دخل الصحفي السعودي جمال خاشقجي مبنى القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول التركية للحصول على وثائق شخصية وكان من المفترض ان يخرج منها كما دخل لكنه لم يخرج.
منذ تلك اللحظة تحولت قضية خاشقجي من حادث اختفاء غامض الى واحدة من اكثر القضايا السياسية والحقوقية اثارة للجدل في العالم خلال السنوات الاخيرة.
كان خاشقجي صحفيا وكاتبا في صحيفة واشنطن بوست وناقدا لبعض سياسات القيادة السعودية وقد كان يعيش خارج المملكة قبل مقتله.
في الايام الاولى نفت السلطات السعودية وجوده داخل القنصلية وقالت انه غادر المبنى لكن السلطات التركية واصلت التحقيق وظهرت معلومات وشهادات وادلة جعلت فرضية خروجه من القنصلية تتراجع بصورة كبيرة.
وبعد ذلك اقرت السعودية بوفاة خاشقجي داخل القنصلية لكنها قدمت في البداية رواية قالت فيها ان الوفاة جاءت نتيجة شجار ثم تغيرت الرواية الرسمية لاحقا مع اتساع التحقيقات والضغوط الدولية.
التحقيقات التركية كشفت عن تورط مجموعة من السعوديين الذين وصل بعضهم الى إسطنبول قبل الجريمة وغادروا بعدها وقد قالت السلطات التركية ان خاشقجي قتل داخل القنصلية.
وفي يونيو 2019 نشرت المقررة الخاصة للامم المتحدة المعنية بحالات الاعدام خارج نطاق القضاء اغنيس كالامار تقريرا خلص الى وجود ادلة ذات مصداقية تستوجب التحقيق في مسؤولية ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كما وصف التقرير مقتل خاشقجي بانه عملية قتل متعمد مع سبق الاصرار.
ورغم ذلك لم تؤد التحقيقات الدولية الى محاكمة دولية لمسؤول سعودي رفيع المستوى ولم يتم العثور على جثمان خاشقجي حتى اليوم بحسب التقارير المنشورة حول القضية.
المحاكمة السعودية
فتحت السعودية تحقيقا ومحاكمة داخلية بحق عدد من المتهمين وانتهت القضية باحكام قضائية صدرت بحق ثمانية اشخاص في عام 2020.
لكن المحاكمة السعودية تعرضت لانتقادات واسعة بسبب عدم شفافيتها وعدم نشر جميع تفاصيلها للعلن كما ظل السؤال الاكبر مطروحا حول المسؤولية السياسية عن العملية ومن اصدر القرار النهائي بتنفيذها.
وقد اكدت السعودية رسميا ان القضاء السعودي تعامل مع الجريمة وفقا للقوانين المحلية وان السلطات اتخذت الاجراءات اللازمة بحق المتورطين.
المسار التركي
في تركيا كان المسار القضائي اكثر وضوحا من الناحية الاجرائية.
فقد فتح الادعاء العام في إسطنبول تحقيقا بعد اختفاء خاشقجي ثم صدرت لائحة اتهام عام 2020 ضد 20 مواطنا سعوديا في القضية.
لكن هذا المسار لم يصل الى محاكمة فعلية للمتهمين امام القضاء التركي لان المتهمين كانوا خارج تركيا.
وفي عام 2022 وافقت تركيا على نقل ملف المحاكمة الى السعودية وهو ما ادى عمليا الى توقف المسار القضائي التركي للقضية.
الموقف الامريكي
القضية تركت ايضا اثرا كبيرا على العلاقات الامريكية السعودية.
وفي عام 2021 رفعت الولايات المتحدة السرية عن تقييم استخباراتي خلص الى ان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وافق على عملية في تركيا تهدف الى القبض على خاشقجي او قتله.
لكن هذا الاستنتاج الاستخباراتي لم يتحول الى محاكمة جنائية امريكية لمحمد بن سلمان.
ومع مرور السنوات عادت العلاقات الامريكية السعودية الى مسار اكثر دفئا وتراجعت قضية خاشقجي في سلم الاولويات السياسية رغم استمرار الجدل حولها.
وفي عام 2025 دافع الرئيس الامريكي دونالد ترامب علنا عن ولي العهد السعودي ورفض تحميله المسؤولية عن مقتل خاشقجي رغم الاشارة الى التقييم الاستخباراتي الامريكي السابق.
لماذا لم تغلق القضية؟
بعد مرور سنوات على الجريمة بقيت عدة اسئلة جوهرية بلا اجابة قضائية دولية نهائية.
اين توجد بقايا جثمان جمال خاشقجي؟
من اصدر القرار النهائي بقتله؟
ومن يتحمل المسؤولية السياسية والقانونية عن العملية؟
وهل كانت العملية عملا فرديا قام به بعض الاشخاص ام جزءا من عملية منظمة شاركت فيها جهات اعلى؟
هذه الاسئلة كانت السبب في استمرار القضية حاضرة في تقارير الامم المتحدة والمنظمات الحقوقية رغم تراجع الاهتمام الاعلامي بها مقارنة بالسنوات الاولى.
فرنسا تعيد الملف الى الواجهة
وفي تطور مهم خلال عام 2026 عاد ملف خاشقجي الى الواجهة القضائية الدولية من بوابة فرنسا.
فقد قررت السلطات القضائية الفرنسية فتح تحقيق في مقتل الصحفي السعودي بعد شكاوى تقدمت بها منظمات حقوقية بينها منظمة TRIAL International ومراسلون بلا حدود.
وقررت محكمة الاستئناف في باريس تكليف قاض متخصص في جرائم ضد الانسانية بفتح التحقيق والنظر في الادعاءات المتعلقة بالقتل والاختفاء القسري.
ويمثل هذا التطور اهم تحرك قضائي دولي جديد في قضية خاشقجي منذ سنوات ويعيد فتح النقاش حول امكانية استخدام القضاء الفرنسي لمبدأ الولاية القضائية العالمية في جرائم خطيرة ارتكبت خارج الأراضي الفرنسية.
قضية لم يمت اثرها
بعد ثماني سنوات تقريبا من الجريمة لم تعد قضية جمال خاشقجي تحظى بنفس الزخم الاعلامي الذي عرفته في خريف 2018.
لكن تراجع التغطية الاعلامية لا يعني ان القضية انتهت.
فالمسار السعودي وصل الى احكام بحق عدد من المتهمين بينما توقف المسار التركي بعد نقل الملف الى السعودية فيما بقيت نتائج التحقيقات الدولية والاستخباراتية محل نقاش سياسي وقانوني.
اما التحقيق الفرنسي الجديد فقد يمنح القضية حياة قضائية جديدة ويعيد طرح السؤال الذي ظل يرافق الملف منذ اليوم الاول
من المسؤول فعلا عن قتل جمال خاشقجي؟
واذا كان الزمن قد خفف من حضور القضية في نشرات الاخبار فان الملف نفسه لم يفقد قدرته على اثارة اسئلة كبرى حول حرية الصحافة والمساءلة الدولية وحدود السيادة الوطنية عندما يتعلق الامر بجريمة قتل صحفي داخل بعثة دبلوماسية.
لقد قتل خاشقجي داخل قنصلية بلاده في دولة اجنبية لكن قضيته تحولت منذ ذلك اليوم الى قضية تتجاوز حدود السعودية وتركيا لتصبح اختبارا دوليا لمفهوم العدالة والمساءلة عندما تتقاطع السياسة مع حقوق الانسان وحرية الصحافة.
ويبقى السؤال مفتوحا
هل تكون باريس هذه المرة هي المحطة التي تعيد قضية خاشقجي الى قاعات المحاكم الدولية بعد سنوات من الصمت السياسي؟

بقلم / سيدي عالي

https://elbidaya.info/?p=12090
زر الذهاب إلى الأعلى