خلف الموقوفين.. هل لا يزال “بارون الظل” خارج قبضة العدالة؟

البداية… أعادت التحقيقات القضائية الفرنسية التي دخلت خلال الأيام الأخيرة مرحلة متقدمة تسليط الضوء على واحدة من أكثر قضايا غسل الأموال تعقيدا في أوروبا بعدما كشفت خيوطها الأولى عن شبكة دولية يشتبه في تورطها في تدوير عائدات ضخمة مرتبطة بتجارة المخدرات عبر منظومة مالية موازية يصعب تعقبها.
ورغم أن التحقيقات أسفرت عن توقيف عدد من المشتبه بهم في فرنسا وبلجيكا فإن هوية الجهات التي تقف في قمة الهرم التنظيمي للشبكة لا تزال غير محسومة ما فتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن الامتدادات المحتملة لهذا النشاط خارج أوروبا وخاصة في منطقة غرب إفريقيا.
من عملية روتينية إلى تحقيق دولي
تعود بداية القضية وفق ما أوردته وسائل إعلام فرنسية إلى أواخر عام 2023 حين أثار توقيف شخصين من أصول موريتانية بحوزتهما نحو 200 ألف يورو نقدا شكوك المحققين حول طبيعة الأموال التي كانا ينقلانها بين مدن فرنسية وبلجيكية.
وبدا في البداية أن الأمر يتعلق بحيازة غير قانونية لمبالغ مالية كبيرة، إلا أن التحقيقات اللاحقة كشفت مؤشرات على وجود شبكة أكثر تنظيما تعتمد على جمع الأموال نقدا ونقلها وإعادة توزيعها عبر وسطاء متخصصين.
ومع توسيع دائرة البحث توصل المحققون إلى الاشتباه في وجود منظومة مالية تتولى معالجة مبالغ تتراوح بين 100 ألف و200 ألف يورو في كل عملية ضمن آلية عمل دقيقة ومنظمة.
“مصرفيون في الظل”
وتصف بعض المصادر القضائية الفرنسية هذه الشبكة بأنها أقرب إلى “مصرف مواز” يخدم عالم الجريمة المنظمة حيث لا يقتصر دوره على تدوير عائدات المخدرات بل قد يمتد إلى إدارة أموال متأتية من أنشطة إجرامية مختلفة.
وخلال عمليات التفتيش التي نُفذت في ضواحي باريس ومناطق أخرى تمكنت الشرطة من حجز مبالغ نقدية إضافية بينما تشير المعطيات المتاحة إلى أن جزءا من الأموال التي مرت عبر هذه القنوات لم يتم تحديد وجهته النهائية حتى الآن.
كما أقرعدد من الموقوفين بحسب ما نقلته وسائل إعلام فرنسية، بتلقيهم مقابلا ماليا لقاء تنفيذ مهام محددة شملت جمع الأموال ونقلها وتخزينها ضمن نظام عمل يشبه إلى حد بعيد الخدمات المصرفية غير الرسمية.
“الحوالة”.. آلية مشروعة في دائرة الشبهات
ومن بين أبرز النقاط التي استأثرت باهتمام المحققين نظام “الحوالة” المالي غير الرسمي الذي يستخدم منذ عقود في مناطق مختلفة من العالم لتحويل الأموال خارج القنوات المصرفية التقليدية.
ويؤكد مختصون أن هذا النظام لا يعد في حد ذاته نشاطا غير قانوني إذ يعتمد عليه ملايين الأشخاص لتحويل الأموال لأسباب تتعلق بسرعة الإجراءات أو ضعف البنية المصرفية في بعض الدول.
غير أن التحقيقات الفرنسية تدرس احتمال توظيف هذه الآلية لإخفاء مسارات الأموال المشبوهة خصوصا عندما تقترن بتحويلات نقدية كبيرة ومتكررة بين عدة دول.
كما يتحقق المحققون من فرضية استخدام أنشطة تجارية مشروعة ظاهريا مثل تجارة السيارات أو إعادة تصدير البضائع نحو إفريقيا لإضفاء طابع قانوني على أموال يشتبه في أن مصدرها أنشطة إجرامية.
الحلقة المفقودة
ورغم التوقيفات التي شهدتها القضية لا تزال التحقيقات عاجزة عن تحديد هوية الأشخاص الذين يعتقد أنهم يشرفون على المستويات العليا داخل الشبكة.
هذا الفراغ في المعطيات أفسح المجال أمام تكهنات إعلامية تحدثت عن وجود “عقل مدبر” أو “بارون كبير” يدير العمليات من خارج أوروبا مع الإشارة إلى امتدادات محتملة في غرب إفريقيا.
غير أن مراجعة المصادر القضائية والإعلامية الفرنسية لا تُظهر حتى الآن أي اتهام رسمي أو تسمية لشخص بعينه في هذا السياق.
ولم تصدر النيابة الفرنسية المختصة بمكافحة الجريمة المنظمة أو السلطات البلجيكية، أي إعلان يربط هذه القضية بشخصية محددة داخل موريتانيا أو خارجها.
بين الوقائع والتأويلات
ويرى متابعون أن القضية تعكس حجم التحديات التي تواجهها الأجهزة الأمنية الأوروبية في تعقب التدفقات المالية غير المشروعة خاصة تلك التي تتحرك خارج النظام المصرفي التقليدي.
كما أعادت إلى الواجهة النقاش بشأن تداخل بعض الأنشطة التجارية المشروعة مع شبكات غسل الأموال وصعوبة الفصل بين الاستخدام القانوني لبعض الآليات المالية واستغلالها لأغراض إجرامية.
وفي المقابل يشدد خبراء قانونيون على ضرورة التمييز بين الوقائع القضائية المثبتة وبين الاستنتاجات الإعلامية مؤكدين أن الحديث عن “بارون كبير” يظل حتى هذه المرحلة مجرد فرضيات لم تدعمها أدلة قضائية معلنة.
تحقيقات مفتوحة وأسئلة بلا إجابات
ومع استمرار التعاون القضائي بين فرنسا وبلجيكا يبقى هذا الملف مفتوحاً على تطورات جديدة قد تكشف عن مستويات إضافية داخل الشبكة سواء على مستوى الامتدادات المالية أو البنية التنظيمية التي تديرها.
وإلى أن تستكمل التحقيقات وتعرض نتائجها أمام القضاء يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل نجحت السلطات الأوروبية في كشف كامل ملامح هذه المنظومة أم أن ما ظهر حتى الآن ليس سوى جزء محدود من شبكة أوسع وأكثر تعقيدا؟