حين تتحول البطاقة الصحفية من وسيلة تنظيم إلى أداة احتكار

في الأصل لم توجد البطاقة الصحفية لصناعة الصحفيين، بل للاعتراف بهم وتنظيم عملهم وتسهيل مهامهم. فالصحفي الحقيقي لا تصنعه بطاقة بلاستيكية، ولا ختم إداري، وإنما تصنعه الموهبة، والمعرفة، والمهنية، والقدرة على نقل الحقيقة، والالتزام بأخلاقيات المهنة. لذلك فإن اختزال الصحافة في بطاقة، وربط وجود الصحفي بها، يمثل فهمًا ضيقًا وخطيرًا لطبيعة العمل الإعلامي.لقد أثارت الشروط التي فرضتها الوزارة على المواقع الحرة والعاملين فيها للحصول على البطاقة الصحفية كثيرًا من الجدل، ليس فقط بسبب صعوبتها وإقصائيتها، بل بسبب الرسالة التي تحملها في عمقها؛ وهي أن الاعتراف بالمهنة أصبح حكرًا على من توافق عليهم الإدارة، لا على من يمارسون الصحافة فعليًا ويؤدون دورهم داخل المجتمع.والأخطر من الشروط ذاتها، ذلك التصريح المنسوب للوزير، والذي اعتبر فيه أن البطاقة الصحفية شرط لممارسة المهنة. فهذا التصريح يفتح بابًا بالغ الخطورة على حرية الصحافة، لأنه يحوّل حقًا دستوريًا إلى ترخيص إداري، ويجعل ممارسة العمل الإعلامي مرتبطة بإرادة السلطة التنفيذية.فالصحافة، في جوهرها، ليست مهنة مغلقة تُدار بمنطق الرخص والاحتكار، بل فضاء حر تكفله القوانين والدساتير والمواثيق الدولية. وإذا أصبح الصحفي ممنوعًا من ممارسة عمله ما لم يحصل على بطاقة تمنحها جهة إدارية، فإننا نكون قد انتقلنا من تنظيم المهنة إلى الوصاية عليها، ومن حماية الإعلام إلى التحكم فيه.إن البطاقة الصحفية ينبغي أن تكون وسيلة تسهيل وحماية، لا أداة منع وإقصاء. فهي تمنح لحماية الصحفي أثناء أداء مهامه، ولتسهيل وصوله إلى المعلومة والفعاليات الرسمية، لكنها لا تمنح الشرعية للكلمة، لأن شرعية الصحفي تستمد من عمله ومصداقيته واحترامه للمهنة، لا من بطاقة يحملها في جيبه.وكم من صحفيين كبار ومؤثرين في العالم لم تصنعهم المؤسسات الرسمية، بل صنعتهم معاركهم مع الحقيقة، وصوتهم الحر، وحضورهم داخل المجتمع. وفي المقابل، كم من حامل بطاقة صحفية لا يمارس أي دور مهني حقيقي سوى التمتع بامتياز إداري أو لقب شكلي.إن التضييق على المواقع الحرة وفرض شروط تعجيزية عليها لا يخدم المهنة، بل يضر بتنوعها واستقلالها. فالإعلام الحر هو الذي يمنح المجتمع القدرة على سماع كل الأصوات، وكشف الاختلالات، وطرح القضايا التي قد لا تجد مكانًا داخل الإعلام الرسمي أو التقليدي.ثم إن التحولات الرقمية الكبرى جعلت الصحافة تتجاوز المفهوم القديم للمؤسسات الإعلامية. فاليوم أصبحت المواقع الإلكترونية والمنصات الحرة جزءًا أساسيًا من المشهد الإعلامي، وبعضها يمتلك تأثيرًا وجمهورًا يفوق مؤسسات عريقة. ولذلك فإن محاولة إخضاع هذا الواقع الجديد لعقلية إدارية قديمة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان والتضييق.إن المطلوب ليس تحويل البطاقة الصحفية إلى جدار يفصل بين “المعترف بهم” و”الممنوعين”، وإنما جعلها إطارًا مهنيًا مرنًا وعادلًا، يضمن احترام المعايير دون قتل روح الاستقلال والإبداع.فالصحافة الحرة لا تُولد من المكاتب الرسمية، بل من حاجة المجتمع إلى الحقيقة. والكلمة الصادقة لا تنتظر إذنًا إداريًا حتى تُقال.سيد المختار ولد احمد ولد بون