يوميات معلم في الأرياف الحلقة الأولى

الواحدة بعد منتصف الليل

يوميات معلم في الأرياف (الحلقة 1)
“حلم طفل يتحقق”


كان حلم طفل صغير يدرس في قرية جميلة وادعة بين التلال والكثبان الرملية أن يصبح معلما….قرية ربانية لايرتفع فيها إلا صوت الآذان أو الذكر. يتوسطها مسجد جميل رغم بساطته, يرتل فيه القرآن الكريم وتعقد فيه حلق الذكر الدائم، وفي المساء نلعب كرة القدم أو لعبة سيلوم فوق الزيرة.
درسني في مدرسة القرية عدة معلمين مازلت أحتفظ بذكرياتهم جميعا، أبرزهم مديرها المميز الفاضل والذي أكن له الكثير من المحبة والتقدير وكل ما إلتقيت به عانقته وذكرته بأفضاله الكثيرة وجهوده الكبيرة من أجلنا…. أسأل المولى عز وجل أن يحفظه ويمد في عمره ويمتعه بالصحة والعافية.
وعلى النقيض منه أتذكر معلما درسني في السنة الرابعة إبتدائية تمنيت لو أدركته حيا لأرفع ضده قضية أمام العدالة…..! فقد كان يتمتع بكل الصفات ماعدا صفة المعلم وقد ترك آثارا سلبية في نفسي مازالت تؤلمني كل ماتذكرتها حتى لحظة كتابة هذه الحروف….!
كان المعلم في قريتي يحظى بكل آيات الإعتبار والتقدير لذلك كان هذا الطفل يتمنى أن يصبح معلما.
بعد الجامعة شاركت في مسابقة تكوين المعلمين ودخلت مدرسة تكوين المعلمين بمدينة لعيون الجميلة (عروس الشرق) تخرجت متفوقا وعندما قدمت لي ورقة إختيار الولايات التي أريد أن أعمل فيها، قلت لهم أنني مستعد للعمل في أي نقطة من الوطن يتم تحويلي إليها.
تم تحويلي إلى ولاية گيدي ماغا (سيلبابي)، يسميها الزملاء(سيل العذاب)…!
نصحنى البعض بعدم الذهاب إليها وأن أجد وساطة ليتم تحويلي إلى مكان آخر.
رفضت ذلك وذهبت إلى ولاية سيلبابي….كان الطريق وقتها صعب جدا وخاصة مقطع واد الگرفة.
تعرفت في الطريق على زميل يدعى المختار وكان مديرا لمدرسة تبعد 45 كلم عن سيلبابي عاصمة الولاية، وقد أقنعني بأن أعمل معه في مدرسته، وقدم لي أوصافًا جميلة عن القرية وقال لي: أنه يحتاج لمن يعرف الفرنسية، فتعهدت له بأن أذهب معه.
بعد سفر متعب وصلنا عاصمة الولاية، نزلت عند موظف كبير بالمدينة تربطني به صلة، سألني أين تحب أن تعمل؟ قلت له سأذهب إلى مدرسة(ط. ب) فأجابني لا أنصحك بذلك…!
قلت له: لقد إلتزمت لزميلي في الطريق وسأذهب. قال لي بإمكاني تحويلك حيث تريد ولا أنصحك بتلك المنطقة….!
بعد أيام تم تحويلنا إلى مدارسنا الجديدة……وقد رتب زميلي المختار كل شيء مع الإدارة الجهوية ليتم تحويلي إلى مدرسته.كنا متحمسين وكلنا إستعداد وحيوية…..!
ركب صاحبكم سيارة من السوق المركزي….. ألبس بنطلونا من جين وقميصا صيفيا…..وأحمل صمصونت وكأنني مسافر إلى الخارج…..كنت ألبس لباس أهل المدن كما يقول أهل البادية…!
إنطلقت السيارة تحمل البضائع والدجاج والأكياس والخبز …..بعد عدة توقفات عندمجموعة من القرى الصغيرة، توقف السائق عند قرية صغيرة وقال: گراي أهل أفلان أنزل هنا.
نزلت وسلمت على الرجال حول السيارة، فقال أحدهم: أنت واعد مدرسة أهل أفلان…..إنها تبعد 5 كيلومترات منا وسنذهب إليهم على الأقدام, فالسيارة لاتمر عليهم.
حمل الرجل صمصونت ومشيت خلفه في رحلة إلى المجهول وأمامي التاريخ كوم رمادي…..قطعنا المسافة دون أن أشعر بالتعب، فأنا معلم جديد قادم إلى مكان عمله وعلي أن أكون أكثر إستعدادا من الجنود.
نعم إنه المعلم الجديد………هكذا سمعت صوت الخليفة شيخ القرية وهو واقف أمام لمبار…… وقف الجميع لإستقبالي بما فيهم زميلي مدير المدرسة……
يتواصل……

الدكتور المصطفى افاتي
زر الذهاب إلى الأعلى