بين حرية التعبير واحتكار الحقيقة

يثير المقال المنشور بشأن البثوث المباشرة وما وصفه بصعود التفاهة الرقمية جملة من الإشكالات التي تستحق النقاش الجاد خصوصا في ظل التحولات التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي على المشهد الإعلامي والسياسي والاجتماعي

لا خلاف على أن الفضاء الرقمي أصبح في بعض جوانبه ساحة مفتوحة للتشهير والإساءة والابتزاز وترويج الأخبار المضللة وأن بعض صناع المحتوى حولوا البث المباشر إلى وسيلة لتحقيق الشهرة والمكاسب على حساب كرامة الآخرين وخصوصياتهم غير أن بعض الصفحات الإعلامية ليست بعيدة هي الأخرى عن هذه الممارسات وهو ما يجعل من الضروري توسيع دائرة النقاش لتشمل مختلف الفاعلين في الفضاء الرقمي دون استثناء

لكن معالجة هذه الظواهر لا ينبغي أن تقود إلى خلط خطير بين حرية التعبير والإساءة وبين النقد المشروع والتشهير

فالمشكلة ليست في أن يمتلك المواطن العادي منصة للتعبير عن رأيه أو أن يناقش الشأن العام دون امتلاك شهادات أكاديمية أو ألقاب مهنية فالديمقراطية لا تحتكر النقاش العام للنخب ولا تجعل المعرفة الأكاديمية شرطا للمشاركة في القضايا التي تهم المجتمع

إن خطورة بعض الخطابات النخبوية تكمن في أنها قد تنزلق من نقد الممارسات المسيئة إلى إصدار أحكام عامة على فئات واسعة من المواطنين لمجرد اختلاف أساليبهم أو لغتهم أو مواقفهم وهنا يصبح الدفاع عن الرصانة الفكرية مدخلا محتملا للإقصاء بدل أن يكون وسيلة لترسيخ ثقافة الحوار

وفي المقابل فإن الدفاع عن حرية التعبير لا يعني منح حصانة لمن يستغل المنصات الرقمية لابتزاز الأشخاص أو انتهاك أعراضهم أو نشر معلومات كاذبة بقصد الإضرار بهم فالحرية مسؤولية قانونية وأخلاقية ولا يمكن أن تتحول إلى غطاء لممارسات تمس حقوق الآخرين

أما الحديث عن مسؤولية الدولة في نشأة بعض الظواهر الرقمية فهو يفتح بابا ضروريا لمساءلة السياسات العامة ومدى تعامل السلطات مع المحتوى الرقمي لكن هذه المسؤولية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتوسيع صلاحيات الرقابة أو استهداف الأصوات المنتقدة تحت عناوين فضفاضة من قبيل حماية الأخلاق أو مكافحة الرداءة

إن الدولة التي تتسامح مع الإساءة عندما تصدر عن أنصارها ثم تتحرك بقوة عندما تطال مسؤولين أو شخصيات نافذة لا تحارب الفوضى الرقمية بقدر ما تكرس الانتقائية في تطبيق القانون كما أن مواجهة الابتزاز والتشهير ينبغي أن تستند إلى أدلة وإجراءات قضائية عادلة لا إلى مواقف سياسية أو اعتبارات تتعلق بمكانة الضحايا ونفوذهم

ومن المهم أيضا ألا يتحول النقاش حول تراجع مكانة الصحافة المهنية إلى مواجهة بين الصحفيين وصناع المحتوى فالصحافة التقليدية نفسها مطالبة بمراجعة أدواتها وتجديد أساليبها واستعادة ثقة الجمهور من خلال الاستقلالية والتحقق من المعلومات والجرأة في مساءلة أصحاب السلطة

إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في إعادة الجمهور إلى زمن كانت فيه وسائل الإعلام التقليدية تحتكر صناعة الرأي العام بل في بناء فضاء إعلامي تعددي يستطيع فيه الصحفي والباحث والمواطن وصانع المحتوى المشاركة دون أن تتحول حرية أحدهم إلى اعتداء على حقوق الآخرين

وفي النهاية فإن حماية المجتمع من الابتزاز الرقمي لا تقل أهمية عن حماية حقه في التعبير والنقد لكن الأخطر من الرداءة ذاتها هو أن تصبح محاربتها ذريعة لتكميم الأفواه أو إعادة إنتاج الوصاية على المجتمع

فالمجال العام لا يحتاج إلى إسكات الأصوات التي لا تعجب النخب بقدر حاجته إلى قانون عادل يحمي الجميع وإعلام مهني مستقل ومجتمع يمتلك القدرة على التمييز بين الرأي والحقيقة وبين النقد والتشهير وبين حرية التعبير واستغلالها للإضرار بالآخرين

بقلم / …………….

زر الذهاب إلى الأعلى