يا ولد بون السياسة الحقيقية تبدأ من المواطن

يا ولد بون الحديث عن السياسة والتهدئة لا يمكن أن ينفصل عن واقع المواطن ولا يمكن أن تتحول التهدئة إلى مجرد خطاب سياسي بينما يشعر المواطن البسيط أن أبواب الإدارة مغلقة في وجهه وأن الوصول إلى المسؤول أصبح مهمة شاقة تحتاج إلى وساطة أو معرفة أو قدرة على الانتظار لساعات طويلة

السياسة في جوهرها ليست تصريحات ومواقف فقط وليست شعارات ترفع في المناسبات وإنما هي قبل كل شيء مسؤولية تجاه الناس واستماع إلى مشاكلهم وقدرة على التعامل مع مطالبهم بجدية واحترام خاصة أولئك الذين لا يملكون واسطة ولا نفوذا ولا من يتحدث باسمهم

يا ولد بون عندما يأتي المواطن من حي هامشي في ساعات الصباح الأولى حاملا ملفه وأمله في أن يجد من يستمع إليه ثم يقف طويلا أمام باب الإدارة دون أن يجد من يستقبله أو يشرح له مصير طلبه فإن المشكلة لا تعود مجرد تأخر في الاستقبال وإنما تصبح صورة تعكس المسافة التي ما تزال قائمة بين المواطن والإدارة

قد لا تستطيع الإدارة تلبية كل المطالب وقد تكون بعض الملفات مرتبطة بإجراءات قانونية وصلاحيات محددة وهذا أمر مفهوم لكن المواطن لا يطلب دائما حلا فوريا فأحيانا كل ما يريده هو أن يجد من يستمع إليه ويشرح له ويوجهه إلى الجهة المختصة ويشعره بأن شكواه وصلت إلى من يعنيه الأمر

وهنا تكمن المسؤولية الحقيقية للمسؤول الإداري والسياسي أن يكون قريبا من الناس وأن يرى ما لا يظهر في التقارير والمكاتب وأن يدرك أن المواطن البسيط ليس رقما في ملف ولا اسما في لائحة بل إنسان له كرامة وحقوق وآمال

أما التهدئة الحقيقية فلا تبدأ من الخطابات وإنما من الشارع ومن حياة الناس اليومية وتبدأ عندما يشعر المواطن بأن الإدارة قريبة منه وأن صوته مسموع وأن حقوقه لا تتوقف على امتلاك الواسطة أو القدرة على الوصول إلى أصحاب القرار

يا ولد بون إن الحديث عن السياسة يفقد كثيرا من معناه إذا لم يلامس هموم المواطنين وإن الحديث عن التهدئة يصبح مجرد شعار إذا بقي المواطن البسيط ينتظر أمام أبواب المؤسسات بحثا عن من يسمعه

افتحوا أبواب الإدارة أمام الناس واستمعوا إلى شكاواهم ووضحوا لهم ما يمكن تحقيقه وما يتعذر تحقيقه واحترموا حقهم في الوصول إلى المعلومة وفي معرفة مصير مطالبهم

فالمواطن لا يريد المستحيل ولا يبحث عن امتياز خاص وإنما يريد أن يشعر بأن الدولة تسمعه وأن الإدارة وجدت لخدمته وأن المسؤول الذي يتحدث عن السياسة والتهدئة قادر أيضا على رؤية معاناته والاستماع إلى صوته

تلك هي السياسة التي يحتاجها المواطن وتلك هي التهدئة التي يمكن أن تبني الثقة أن يشعر الضعيف قبل القوي بأن له مكانا أمام أبواب الدولة وأن صوته لا يحتاج إلى واسطة حتى يصل

زر الذهاب إلى الأعلى