المأمورية الثالثة: الرهان الذي قد يدفن الحوار السياسي

تشير المعطيات المتداولة داخل الأوساط السياسية إلى أن ما يعرف بـ”الكتيبة الثالثة” بقيادة ولد بون تبدو مصممة على إعادة فتح ملف المأموريات الرئاسية وتعديل بعض المواد الدستورية في خطوة يراها أنصارها تعبيرا عن الوفاء للرئيس ودعما لاستمرار مشروعه السياسي بينما ينظر إليها خصومها باعتبارها مغامرة سياسية قد تدفع البلاد نحو حالة من الاستقطاب الحاد في ظرف داخلي بالغ الحساسية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تعاني فيه الساحة الوطنية من انقسامات سياسية واجتماعية متراكمة وتواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية متزايدة من ارتفاع الأسعار وتنامي الأعباء الضريبية واتساع دائرة التذمر من الفساد وضعف الأداء الحكومي.
وهي عوامل تجعل أي نقاش يتعلق بتغيير قواعد اللعبة السياسية أو تعديل التوازنات الدستورية موضوعا شديد الحساسية قد تكون كلفته أكبر من المكاسب المرجوة منه.
ورغم أن بعض القوى السياسية والشخصيات النافذة وقفت منذ البداية ضد فكرة المأمورية الجديدة أو تعديل الدستور فإن دوافع هذا الرفض ليست بالضرورة موحدة.
فبينما تنطلق بعض المواقف من قناعة دستورية وسياسية راسخة ترتبط مواقف أخرى بحسابات النفوذ والصراع على مرحلة ما بعد الرئيس وهو ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا من مجرد انقسام بين مؤيد ومعارض.
ويبدو أن هذا الملف عاد إلى الواجهة بعد فترة من التراجع إثر الضغوط التي تعرض لها مروجوه خلال الأشهر الماضية.
غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن هذه المجموعة استعادت زمام المبادرة وعادت بخطاب أكثر جرأة وأدوات أكثر فاعلية وإصرار أكبر على خوض المعركة السياسية من جديد خشية خسارة الرهان للمرة الثانية.
لكن إعادة إحياء هذا النقاش تأتي في ظرف مختلف تماما عن السابق.
فالبلاد تعيش حالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي كما أن مؤشرات عدم الرضا الشعبي تتزايد مع استمرار الضغوط المعيشية وتراجع القدرة الشرائية واتساع الهوة بين تطلعات المواطنين والواقع اليومي.
وفي مثل هذه الظروف، تبدو الأولويات الشعبية بعيدة عن الجدل الدستوري وأكثر ارتباطا بالبحث عن حلول للأزمات الاقتصادية والخدمية التي تثقل كاهل المواطنين.
ومن زاوية أخرى فإن مجرد إعادة طرح هذا الملف قد تمثل ضربة جديدة لمسار الحوار السياسي الذي يعاني أصلا من حالة جمود مزمنة.
فالحوار الذي كان يفترض أن يشكل إطارا جامعا لتقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف يجد نفسه اليوم أمام تحديات إضافية قد تدفع به نحو طريق مسدود، خصوصا إذا تحول إلى ساحة لتصفية الحسابات داخل الأغلبية الحاكمة نفسها.
وفي الواقع لا تدور هذه المعارك خارج دائرة النظام بل تجري بالكامل داخل فضاء الأغلبية الموالية للرئيس.
فهناك تيار يرى أن مصلحة البلاد ومصلحة الرئيس تقتضيان استمراره في السلطة بأي صيغة كانت ويعتبر أن المرحلة الحالية لا تسمح بالمغامرة بتغيير القيادة السياسية.
وفي المقابل يوجد تيار آخر لا يقل ولاء للرئيس لكنه يعتقد أن الحفاظ على المشروع السياسي يمر عبر انتقال منظم للسلطة داخل المنظومة نفسها ويطرح نفسه بوصفه الامتداد الطبيعي القادر على قيادة المرحلة المقبلة وضمان استمرار النهج القائم بعد انتهاء المأمورية الدستورية للرئيس.
أما التيار الثالث فيبدو أكثر ارتباطا بفكرة النفوذ المستمر للرئيس بعد مغادرته السلطة.
وهو تيار يراهن على صيغة تجعل الرئيس حاضرا بقوة في المشهد السياسي حتى بعد انتهاء ولايته من خلال شبكة من الحلفاء والمؤسسات والدوائر المؤثرة بما يضمن استمرار تأثيره في صناعة القرار وتوجيه السياسات العامة.
وبين هذه التيارات المتنافسة توجد شخصيات وقوى ما تزال تلتزم الصمت لكنها تراقب المشهد عن كثب ومن المرجح أن تظهر مواقفها الحقيقية في المراحل الحاسمة من الصراع عندما تتضح موازين القوى وتتحدد ملامح المرحلة المقبلة.
وفي ظل هذا الواقع يبدو النظام السياسي أكثر انشغالا بصراعاته الداخلية من أي وقت مضى.
فبدل أن تتجه الجهود نحو معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية الملحة تتزايد المؤشرات على انخراط مراكز النفوذ في سباق مبكر على المستقبل السياسي في وقت تتراكم فيه الأزمات وتتسع دائرة القلق الشعبي.
وحتى لو افترضنا أن السلطة نجحت في إبعاد بعض الوجوه المثيرة للجدل أو محاسبة بعض رموز الفساد فإن حجم التحديات المتراكمة خلال السنوات الماضية يجعل مهمة الإصلاح شديدة الصعوبة.
فالوقت المتبقي محدود والمشكلات أعمق من أن تعالج بإجراءات ظرفية أو تغييرات شكلية.
لقد أصبح المشهد السياسي اليوم أقرب إلى حقل ألغام تتقاطع فيه الطموحات الشخصية والمصالح المتنافسة والحسابات المرتبطة بخلافة الرئيس.
وفي مثل هذه الظروف تبدو الحاجة ملحة إلى تغليب منطق الدولة على منطق الأفراد وتقديم المصلحة الوطنية على حسابات النفوذ والتموقع.
هل تنجح النخبة الحاكمة في إدارة هذه التناقضات ضمن إطار سياسي مستقر يحفظ للبلاد توازنها ووحدتها أم أن الصراعات المكتومة ستدفع المشهد نحو مزيد من الاحتقان والاستقطاب في مرحلة تحتاج فيها موريتانيا أكثر من أي وقت مضى إلى التهدئة والتوافق الوطني؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد ملامح السنوات المقبلة ليس فقط بالنسبة للنظام السياسي بل بالنسبة لمستقبل البلاد بأكملها. بقلم/ سيدي عالي